الشيخ محمد هادي معرفة

38

تلخيص التمهيد

عليه إذا وجدوا دحية عنده . قال : إذا رأيتم دحية الكلبي عندي فلا يدخلنَّ عليَّ أحد « 1 » . وكان جبرائيل قد يتمثّل للصحابة أيضاً بصورة دحية ، كما في غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة شاهده الصحابة على بلغة بيضاء « 2 » . وشاهده أيضاً علي عليه السلام دفعات بمحضر النبي صلى الله عليه وآله وتكلَّم معه ، والنبي صلى الله عليه وآله راقد « 3 » . وأمّا نزول الملَك عليه بالوحي من غير أن يراه فكثير أيضاً ، إمّا إلقاء على مسامعه وهو يصغي إليه ، أو إلهاماً في قلبه فيعيه بقوَّة . قال تعالى : « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » « 4 » . كان صلى الله عليه وآله في أوائل نزول الملَك عليه بالوحي يخشى أن يفوته اللَّفظ ، ومن ثمَّ كان يحرِّك لسانه وشفتيه ليستذكره ولا ينساه ، فكان يتابع جبرائيل في كلِّ حرف يلقيه عليه ، فنهاه تعالى عن ذلك ووعده بالحفظ والرعاية من جانبه تعالى ، قال : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » « 5 » . وربّما كان صلى الله عليه وآله يقرأ على أصحابه فور قراءة جبرائيل عليه ، وقبل أن يستكمل الوحي أو تنتهي الآيات النازلة ، حرصاً على ضبطه وثبته ، فنهاه تعالى أيضاً وقال : « وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » « 6 » . فاطمأنَّه تعالى بالحفظ والرعاية الكاملة . فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بعد ذلك إذا أتاه جبرائيل استمع له ، فإذا انطلق قرأه كما أقرأه « 7 » . قال تعالى : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » « 8 » .

--> ( 1 ) بحارالأنوار : ج 20 ص 210 وج 22 ص 332 ، مجمع البيان : ج 8 ص 351 . ( 2 ) سيرة ابن هشام : ج 3 ص 245 . ( 3 ) بحارالأنوار : ج 37 ص 326 عن كتاب حجَّة التفصيل لابن الأثير . ( 4 ) الشعراء : 192 - 195 . ( 5 ) القيامة : 16 - 19 . ( 6 ) طه : 114 . ( 7 ) طبقات ابن سعد : ج 1 ص 132 . ( 8 ) الأعلى : 6 .